|
د. عائشة المناعي: الديمقراطية الاسلامية تقوم على الشورى
والمسؤولية الفردية وتساوي الحقوق
الشرق
الإثنين 28 نوفمبر 2005
تناولت اولى الجلسات الصباحية من مؤتمر الحوار المتوسطي
الحادي عشر «الناتو والشرق الأوسط الكبير» مسألة الاصلاح
الاجتماعي والسياسي في منطقة الخليج حيث اثرى النقاش كل من
الدكتورة منيرة فخرو من جامعة البحرين التي تحدثت عن
المجتمع المدني والديمقراطية في منطقة الخليج. والدكتورة
عائشة المناعي عميدة كلية الشريعة بجامعة قطر التي قدمت
ورقة عمل حول الاسلام والديمقراطية في العالم العربي.
ركزت السيدة فخرو على تجربة البحرين في مجال منظمات
المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية ونشأة الاحزاب
السياسية مؤكدة ان هذه بطبيعة الحال هي فكرة جديدة في دول
الشرق الأوسط.
وقالت لقد تشكل في معظم دول الخليج العربي عدد من المنظمات
غير الحكومية ولكن الى الآن لا تزال هذه التجربة وليدة في
عالمنا العربي وهذه الاحزاب تأخذ صفة الجمعيات ولا صفة
الحزب الرسمي الذي يمارس نشاطه بكل ثقة وعلانية.
ونوهت الى ان هذه المنظمات التي اسست في بعض الدول العربية
انشئت من قبل السلطة وهي لا تعبر عن رأي ذاتي مستقل.
واشادت بالتجربة القطرية في هذا المجال وقالت إن قطر تمتلك
عدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية كالمجلس
الاعلى لشؤون الاسرة ونادي الجسرة الثقافي الذي اثرى
الحركة الثقافية داخل البلاد، والعديد من المؤسسات التي لا
مجال لذكرها الآن.
وأكدت ان دولة قطر تعتبر ثالث دولة شرِّع فيها إنشاء مثل
هذه الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية بعد الكويت والبحرين.
واكدت ان الحكومة القطرية تسعى جاهدة للمزيد من الاصلاحات
في المجال التعليمي والاجتماعي والثقافي حتى اصبحت نموذجاً
يحتذى به في المنطقة، ومملكة البحرين اطلعت على التجربة
القطرية في هذا المجال وقد حاولت بناء علاقات صداقة مع بعض
مؤسسات المجتمع المدني وذلك لمزيد من تبادل الخبرات حيث ان
هذه الجمعيات تساهم في تعزيز وتقوية دور المنظمات
وازدهارها ولكن هي في بعض الدول العربية تعتبر بمثابة ذراع
للدولة وليست مكملة لها.
مؤكدة ان بعض هذه المنظمات قد اخفقت لاأها لم تعد تستطيع
ان تفصل بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني.
مشيرة إلى أن الاصلاح لا يحدث من خلال اوضاع سياسية مقلقة
بل يحتاج الى استقرار سياسي وامني حتى يتم اصلاح بقية
جوانب الحياة، وقالت ان مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات
غير الحكومية قد اصبحت ناشطة خاصة بعد احداث الحادي عشر من
سبتمبر.
وتناولت الدكتورة فخرو كذلك العديد من القضايا الاقليمية
والعربية وقضايا الاصلاح.
الاسلام والديمقراطية
أما الدكتورة عائشة المناعي فقدمت ورقة عمل جديرة
بالاهتمام تناولت من خلالها الاسلام والديمقراطية في
الخليج وتطرقت الى مسألة الارهاب والدين والاصلاحات
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وقالت إن الاصلاح
والتجديد امر تفرضه المصلحة ويفرضه الواقع ويفرضه العقل
وفوق ذلك كله «عند الاسلام» يفرضه القرآن وتفرضه سنة
الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقرآن يقول «إن الله لا يغير
ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فاشترط الله تعالى أن يكون
فعل الانسان بارادته الحرة وبقدرته على تحمل المسؤولية، ان
يكون سابقا على فعل الله تعالى «هذه هي سنة الله تعالى في
الخلق».
والحديث يقول «الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو احق بها»
ومقصود الحديث أن اي امر فيه صلاح ومنفعة ورأي صائب سديد
بما لا يتعارض مع الشرع فالمؤمن يجب عليه ان يسارع في
الاخذ به والاستفادة منه تحت اي مسمى من المسميات
ديمقراطية، اصلاحو، تجديد، تغيير، تطوير، نهضة، ايا ما
كان.
وقالت إن كل هذا يصب فيما يسمى بحقوق الإنسان التي لم يأت
الاسلام الا ليقرها ويرسم صورتها في منظومة متناسقة تبدأ
بالفرد وتنتهي بالمجتمع وترتبط تلك المنظومة برباط وثيق
وهو القيم والاخلاق، وهذا ما أعلنه الرسول صلى الله عليه
وسلم في قوله «انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وادخل في المعاملة ما شئت من حق الانسان وحق الله وحق
البيئة وحق الحيوان، وحق الجماد، وحق النبات وحق النفس.
وهذا واضح جدا ليس في السلم ولكن في الحرب التي يتضح فيها
خلق الاسلام بارقى صوره حيث يضع الرسول صلى الله عليه وسلم
قاعدة ذهبية في التطبيق العملي للجهاد للتعامل مع
المخالفين ويوصي الجيش بأن «لاتقتلوا امرأة ولا صبياً
ولاشيخا ولا مقعدا ولا أعمى». لأن هؤلاء غير محاربين،
فالتركيز هنا على المحارب فقط.
اضافة الى ذلك يقول «لاتعتدوا على العباد في الصوامع ولا
تقلعوا شجرة مثمرة ولا تقتلوا شاة ولا بقرة».
وقالت د. المناعي: ونحن حين نتحدث عن الاسلام ومبادئه لا
نتحدث عن بعض المسلمين في تطبيقاتهم وممارساتهم سواء في
افكارهم او سلوكهم الأمر الذي تمخض عنه موقفان:
1 - موقف بعض المسلمين الرافضين لكل ما هو غربي وعلى رأس
ذلك رفض للديمقراطية بمفهومها الغربي ويرى أنه لا لقاء
بينها وبين الاسلام على الاطلاق ولا يرى فيها الا انها
تشريع انساني يتفلت الانسان فيه من كل قيمه الاخلاقية يفعل
ما يشاء ووقت ماشاء بما لا يتعارض مع القانون الوضعي.
لذلك كما يقول محمد قطب «لاسبيل إلى القول إن الاسلام نظام
ديمقراطي او انه يتقبل النظام الديمقراطي او يسايره لمجرد
وجود شبه عارض في بعض النقاط «يقصد به مشابهته لمبدأ
الشورى».
وآخر يقول: الاسلام دين الله والديمقراطية دين الشيطان أو
الطاغوت.
ومن ثم حين ظهرت مبادرة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي
يحمل لافتة أو شعار الديمقراطية والحريات والاصلاح وجد
رفضاً كبيراً من قبل الرافضين لمبدأ الديمقراطية الغربية
وقالوا:
«إن الديمقراطية التي تسعى امريكا الى انزالها على دول
الشرق الأوسط ما تريد منها إلا ان تفصل احزابا وقادة
يعملون وفق رؤيتها المجتمعية والقيمية والسياسية بناء على
رؤيتها لا رؤية شعوب الشرق الأوسط».
وهم في ذلك لا يبدون عداء للإصلاح بل يؤكدون حاجة الانظمة
العربية لتلك الاصلاحات الجذرية التي تأتي من الداخل لأنها
حينئذ ستراعي الدين والعقيدة والخصوصية المجتمعية.
وحول نظرة غير المسلمين للاسلام في تلك المسألة قالت د.
المناعي يوجه اتهام للاسلام فحواه: أن الديمقراطية تتقدم
في كل مكان ولكنها تقف عند اسوار العالم العربي والاسلامي..
لماذا؟
لأنه يرى ان الاسلام «كدين» هو العائق الأوحد للديمقراطية
في الدول التي تدين به ومعلوم ان الاجرام هو سلوك ضد اي حق
من حقوق الانسان ومن هنا اتهم الاسلام بأنه دين ارهاب
وعنف، وللأسف الشديد فإن هذا الفهم الخاطئ للاسلام قد عمم
على الدين بسلوك بعض اتباعه وتلك كما قلنا نظرة غير منطقية
لأن الشيء نفسه ينطبق على بقية الأديان، فلا نحكم على
المسيحية بما يفعله المسيحيون، ولانحكم على اليهودية بما
تفعله اسرائيل «مثلا».
واكدت ان الديمقراطية الاسلامية لو حقَّ لنا تسميتها بذلك
نجدها تقوم على أسس اربعة ولا تكاد ديمقراطية كائنة ما
كانت تختلف حولها:
1 - المسؤولية الفردية: فلا يحاسب انسان بذنب انسان آخر.
2 - عموم الحقوق وتساويها بين الناس في قوله تعالى «يا
ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً
وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم».
والرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع دعا الى تلك
المساواة بقوله «أيها الناس ان ربكم واحد وان اباكم واحد
وكلم لآدم وآدم من تراب، إن اكرمكم عند الله اتقاكم وليس
لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى».
ومقولة سيدنا عمر بن الخطاب المشهورة «متى استعبدتم الناس
وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا».
3 - وجوب الشورى على الحاكمين: والقرآن صريح جدا في الدعوة
الى الحكم الشوري، وامر نبيه بذلك «وشاورهم في الامر»
وامتدح المؤمنين وربط ايمانهم وطاعتهم الله بالشورى
«والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم
ومما رزقناهم ينفقون»
4 - التضامن بين المجتمع على اختلاف طوائفه وطبقاته وهذا
اصل اجتماعي يحرص الاسلام على تربية النشء عليه يبدأ من
البيت والمدرسة والجامعة والمجتمع ليصبح ثقافة عامة تيسر
له قبول اي نوع من انواع الديمقراطية السياسية او
الاقتصادية.
وذلك على خلاف المفهوم السائد في ارتباط مفهوم الديمقراطية
دائما بالنظام السياسي وكما يقول د. عبدالحميد الانصاري «ان
انشغالنا الطويل بالسياسي والايديولوجي على حساب الاجتماعي
والقيمي فضلا عن انه اوصلنا الى افق مسدود، فقد افرز في
النهاية شخصيات متلونة تنادي بالديمقراطية وتمارس نقيضها،
واستمرار المراهنة على النظام السياسي أملا في الاصلاح ادى
بنا الى تصور ضيق للديمقراطية ينحصر في السلطة السياسية
ودورانها ومراقبتها وهو المفهوم التراثي والموروث والذي
حكم مجمل ممارساتنا».
(مؤتمر الديمقراطية والاصلاح في الوطن العربي مركز الخليج
للدراسات جامعة قطر 2004م بعنوان: لماذا يتعثر الاصلاح في
منطقتنا).
فاذا كان دين بهذه المبادئ فلا اشكال في تسميتها بمبادئ
ديمقراطية او بأي اسم اخر والمهم انه دين يدعو للاصلاح منذ
15 قرنا من الزمن.
وعلى ذلك ففي المفهوم المتعقل للإسلام من ناحية
وللديمقراطية من ناحية اخرى يجد انهما يلتقيان في الأمور
الجوهرية.
ومن هنا لا نرى باساً في التعاون مع الآخر: امريكا او
غيرها في مسألة نتفق عليها دونما تحسس من صيغة ذلك
التعاون، مع احتفاظنا بخصوصيات ديننا التي ترى الخير في
الحريات ولكنها ليست الحرية المطلقة وتلك الحرية قد لا
يقيدها القانون الوضعي ولكن يقيدها الشرع.
وحينما نعترف بالحريات في منظومة الديمقراطية اقول من
الجدير بالديمقراطية ان تمنح المسلم حرية العقيدة مع حرية
تطبيق مبادئها ومثال ذلك احتكامه الى الشرع الذي يؤمن به
ومثاله في الأسرة، الزواج والابناء والنسب والتوارث وهذه
امور لا يخرج المسلم فيها عن اطار ارادة المشرع «الله
تعالى».
فاذا اعتبرت هذه المبادئ وامثالها قيداً لإرادة الشعب في
التشريع، فهو قيد تقضيه الحياة الديمقراطية والا فلا
ديمقراطية.
|