الرؤى الأمنية في منطقة الخليج

عرض الدكتور/ حسن الأنصاري – مدير مركز دراسات الخليج، جامعة قطر

 

 

   هناك رؤى أمنية مختلفة للأمن في منطقة الخليج . ويبدو الاختلاف في الرؤى واضحا على جانبي الخليج ( إيران ودول مجلس التعاون الخليجي) ففي حين تنتقد إيران مبدأ الاعتماد على قوى خارجية لتحقيق الأمن ولعملية توازن القوى ، ترى دول مجلس التعاون الخليجي وتؤيد الاعتماد على القوى الخارجية ( وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية) وذلك نظرا لعجز هذه الدول على تحقيق توازن القوة وحفظ الأمن والسلام في المنطقة.

   سأركز الحديث هنا عن الرؤى الأمنية في منطقة الخليج من وجهة نظر الدول الصغيرة في المنطقة وبعد ذلك سأسلط الضوء على الدور الأوروبي. هذه الدول بحكم حجمها وقدراتها الدفاعية المحدودة ، والتي بطبيعتها لا تستطيع أن تشكل خطرا وتهديدا للقوى الرئيسية في المنطقة، كانت باحثة دائما من أجل بفائها على قوة موازنة وخلفه من خارج الإقليم.

   إن هذا الموضوع ليس بجديد على هذه الدول التي استفادت من الاهتمام الدولي ،لقرون طويلة، بمنطقة الخليج للمحافظة على أمنها ووجودها.فمنذ ظهور البرتغاليين في بداية القرن الخامس عشر على شواطئ هذه المنطقة وتبعهم الإنجليز في القرن الثامن عشر ووصولا بالولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحاضر ودول الخليج الصغيرة ترى أن وجود هذه القوة ضروري لحفظ المن في الخليج.

   وقد ساهم في دعم هذا التوجه عدد من الأمور منها التنافس بين القوى الرئيسية المحلية للهيمنة على المنطقة كما حدث في الماضي بين الإيرانيين والعثمانيين والوهابيين ، واستمر هذا الوضع في الوقت الحاضر من خلال طرح أفكار الهيمنة والسيطرة على المنطقة من قبل النخب السياسية والثقافية في إيران وحتى من قبل بعض الفئات في عراق ما بعد صدام.

   كما أن فشل دول الخليج الصغيرة في إنشاء هيكل أمني تستطيع من خلاله درء الأخطار الإقليمية جعل منها تعتمد اعتمادا رئيسيا على القوة الخارجية.لقد جاءت شهادة ميلاد مجلس التعاون الخليجي في ظل ظروف أمنية مع بداية الحرب العراقية الإيرانية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.كانت منطقة الخليج في ذلك الوقت تعاني من فراغ أمني بدأ مع خروج لقوة الخارجية – بريطانيا - . وكانت المقولة السائدة في ذلك الوقت بأن (أمن الخليج مسؤولية أبنائه). وكان هناك رفض –حتى من قبل الدول الصغيرة –لأي وجود خارجي في المنطقة . ومن هنا جاء مجلس التعاون لملأ هذا الفراغ.

   إن مشكلة مجلس التعاون الخليجي ، في تعامله مع الموضوع الأمني في المنطقة ، من وجهة نظري ، تكمن في الفروق الواضحة في تعداد السكان والموارد العسكرية المتوفرة لدى دول المجلس. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا التحالف تنعدم فيه القوة المركزية القائدة التي تستطيع أن توفر الأمن للدول الصغيرة في المجلس وأن تشكل منه قوة إقليمية توازي القوى الإقليمية الأخرى. لقد نظرت الدول الصغيرة إلى المملكة العربية السعودية لتحمل المسؤولية ، ولكن الغزو العراقي للكويت عام 1990 ومحوها من على الخارطة السياسية الخليجية والتهديد الذي تعرضت له السعودية نفسها دفع بالدول الصغيرة إلى إعادة حساباتها والتوصل إلى اتفاقيات ثنائية مع الدول الخارجية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية.

   فالرؤى الأمنية للدول الصغيرة في منطقة الخليج في الوقت الحاضر تؤيد الوجود العسكري للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ، وتعتبر أن هذا الوجود ضروري وذلك لفشل هذه الدول وعجزها عن تحقيق توازن للقوة خاص بها مما يجعل الولايات المتحدة شريكا رئيسيا في أي ترتيبات أمنية إقليمية في الخليج.

   اسمحوا لي الآن أن أسلط  قليل من الضوء على الرؤى الأمنية لدول مجلس التعاون للدور الأوروبي في هذا المجال في منطقة الخليج. ترى دول المجلس، من وجهة نظري، أن هناك دورا مكملا للدور الأمريكي تستطيع أن تلعبه أوروبا في المنطقة فأوروبا من خلال علاقاتها عبر الأطلسي تتقاسم مجموعة من القيم والأهداف المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي منها الحفاظ على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية للعالم.ومن هذا المنطلق ركزت دول مجلس التعاون على تطوير شراكة إستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي تستطيع من خلالها مناقشة قضايا مكملة لأمن الخليج.ومن هذه القضايا عملية السلام في الشرق الأوسط والمسألة العراقية وإيران.

   فبالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط فإن هناك اتفاقا بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي على وجهة النظر القائلة بأن التوصل إلى حل دائم وعادل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي مهم لاستقرار المنطقة بما فيها منطقة الخليج وإن السلام ضروري لوضع نظام أمني أوسع في منطقة الشرق الأوسط.

   أما بالنسبة للمسألة العراقية ، ففي فترة ما قبل الحرب كان الموقف الأوروبي والموقف الخليجي يؤكدان على دور الأمم المتحدة للتعامل مع موضوع نزع السلاح العراقي. أما في فترة الحرب فقد ساهمت فيها دول مجلس التعاون بدرجات مختلفة ، في حين عارضت بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا الحرب في العراق. إن استقرار الأوضاع في العراق شرط ضروري لخليج آمن ومستقر وعليه فإن المصلحة الأوروبية تقتضي المحافظة على العلاقات عبر الأطلسي والمشاركة في إعادة بناء عراق ينعم بالحرية والديمقراطية والسلام والبعد عن إستراتيجية ثأرية ضد سياسات لم تقبل في الماضي.

   وينطبق الأمر كذلك على إيران ومحاولاتها المستمرة للحصول على السلاح النووي. فدول مجلس التعاون الخليجي ترى في المحاولات الإيرانية تهديدا أمنيا وبيئيا للمنطقة برمتها. ومع أن موقف الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي خلال الحوارات المشتركة بينهما قد أكدا على عزمهما دعم كافة الجهود الرامية لإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الوسط والخليج ويدعوان جميع الأطراف لتوقيع المعاهدات الدولية في هذا المجال ، إلا أن المفاوضات الأوروبية الإيرانية حول الملف الإيراني يشوبه كثيرا من التردد وعدم الحزم. وهو ما قد يؤثر سلبا على الأمن في منطقة الخليج في المستقبل. ولا تخفي إيران في هذا المجال مراوغاتها لكسب الوقت ، ويتردد على لسان عدد من النخب السياسية والثقافية في مؤتمرات عامة وأمام مسئولين أوروبيين على أن هدف إيران النهائي هو شق التحالف الأطلسي واستخدام الجانب الأوروبي لكسب الوقت لتطوير برنامجها النووي. وعليه فإن الحفاظ على الأمن في المنطقة يتطلب سياسة أوروبية حاسمة تجاه موضوع الملف النووي الإيراني.

   وأخيرا فيما يتعلق بالدور الأوروبي في المنطقة فإن أوروبا تستطيع أن تلعب دورا مهما في الترتيبات الأمنية من خلال حلف الناتو . إن وضع إطار متعدد الأطراف لأمن الخليج ممكن وضروري ، تشارك فيه أطراف لها مصالح حيوية في الحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج . إن حلف الناتو من خلال الشراكة الأطلسية ومن خلال الدور الذي يلعبه في خارج القارة الأوروبية أصبح مؤهلا للعب دور مهم في أمن الخليج . إن دور أوروبا المركزي في الملف والذي أرسى الأمن الإقليمي في القارة الأوروبية وأوصلها إلى مجتمع يسوده الرخاء والحرية . إن نجاح أوروبا في دمج دول كانت تحت ظل أنظمة غير ديمقراطية يشكل دافعا لوضع إطار متعدد الأطراف يبدأ بإرساء أسس الأمن في منطقة الخليج وينتهي بوضع نظام أمني أوسع في منطقة الشرق الأوسط .

فهل آن الأوان للتفكير في ناتو خليجي.