|
الإسلام
والديمقراطية
د.
عائشة المناعي
عميدة كلية
الشريعة –جامعة قطر
بسم الله
الرحمن الرحيم
والصلاة
والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله وآله وصحبه وعلى سائر
إخوانه الأنبياء والمرسلين
أحييكم
جميعاً .. وأخص بتحيتي وشكري الأمانة العامة للمجلس
البرلماني لمنظمة حلف شمالي الأطلنطي (الناتو) ومجلس
الشورى القطري واللجنة الدائمة لتنظيم المؤتمرات بوزارة
الخارجية.
وشكراً أيضا
للمترجمين خلف الكواليس.
الإصلاح
والتجديد أمر تفرضه المصلحة ويفرضه الواقع ويفرضه العقل
... وفوق كل ذلك كله – عند الإسلام -: يفرضه القرآن وتفرضه
سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن يقول(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم) فاشترط الله تعالى أن يكون فعل الإنسان بإرادته
الحرة وبقدرته على تحمل المسؤولية – أن يكون سابقا ًعلى
فعل الله تعالى (هذه من سنة الله تعالى في الخلق).
والحديث
يقول ( الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها)
ومقصود الحديث أن أي أمر فيه صلاح ومنفعة ورأي صواب سديد
بما لا يتعارض مع الشرع . فالمؤمن يجب عليه أن يسارع في
الأخذ به والاستفادة منه تحت أي مسمى من المسميات
:ديمقراطية – إصلاح – تجديد – تغيير – نهضة .. أياً ما
كان.
وكل هذا يصب
فيما يسمى بحقوق الإنسان الذي لم يأت الإسلام إلا ليقره
ويرسم صورته في منظومة متناسقة تبدأ بالفرد وتنتهي
بالمجتمع وترتبط تلك المنظومة برباط وثيق وهو (القيم
والأخلاق) وهذا ما أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم في
قوله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) بمعنى أن رسالته
التي أتى بها من السماء ما كانت إلا دعوة لكمال الأخلاق :
خلق مع الله تعالى ، وخلق مع الكون ، وخلق مع الآخر
المماثل ، وخلق مع النفس . ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم
أيضا (الدين المعاملة). وأدخل في المعاملة ما شئت من حق
الإنسان،وحق الله، وحق البيئة وحق الحيوان، وحق الجماد،وحق
النبات،وحق النفس.
وهذا واضح
جداً ليس في السلم ولكن في الحرب التي يتضح فيها خلق
الإسلام بأرقى صوره حين يضع الرسول صلى الله عليه وسلم
قاعدة ذهبية في التطبيق العملي للجهاد للتعامل مع
المخالفين ويوصي الجيش بأن (لا تقتلوا امرأة ولا صبياً ولا
شيخاً ولا مقعداً ولا أعمى) لأن هؤلاء غير محاربين ،
فالتركيز هنا على المحارب فقط.
إضافة إلى
ذلك يقول (لا تعتدوا على العباد في الصوامع ولا تقلعوا
شجرة مثمرة ولا تقتلوا شاة ولا بقرة).
ونحن حين
نتحدث عن الإسلام ومبادئه لا نتحدث عن بعض المسلمين في
تطبيقاتهم وممارساتهم سواء في أفكارهم أو سلوكهم الأمر
الذي تمخض عنه موقفين:
1-
موقف بعض المسلمين الرافضين لكل ما هو غربي وعلى رأس ذلك
رافض للديمقراطية بمفهومها الغربي ويرى أنه لا لقاء بينها
وبين الإسلام على الإطلاق، (يتحفظ البعض لأنها من الحضارة
الغربية المادية).
إلا أنها
تشريع إنساني يتلفت الإنسان فيه من كل قيمه الأخلاقية يفعل
ما يشاء وقت ما شاء بما لا يتعارض مع القانون الوضعي.
ولذلك كما
يقول محمد قطب (لا سبيل إلى القول بأن الإسلام نظام
ديمقراطي أو أنه يتقبل النظام الديمقراطي أو يسايره لمجرد
وجود شبه عارض في بعض النقاط (يقصد به مشابهته لمبدأ
الشورى). وآخر يقول :الإسلام دين الله، والديمقراطية دين
الشيطان أو الطاغوت.
ومن ثم حين
ظهرت مبادرة مشروع (الشرق الأوسط الكبير) الذي يحمل لافتة
أو شعار الديمقراطية والحريات والإصلاح وجد رفضاً كبيراً
من قبل الرافضين لمبدأ الديمقراطية الغربية وقالوا(أن
الديمقراطية التي تسعى أمريكا إلى إنزالها على دول الشرق
الأوسط ما تريد منها أن تفصل أحزاباً وقادة يعملون وفق
رؤيتها المجتمعية والقيمية والسياسية بناء على رؤيتها لا
رؤية شعوب الشرق
الأوسط).
- موقع شبكة الأحرار – محمد توفيق ---
وهم في ذلك
لا يبدون عداء للإصلاح، بل يؤكدون على حاجة الأنظمة
العربية لتلك الإصلاحات الجذرية التي تأتي من الداخل
لأنها ستراعي الدين والعقيدة والخصوصية المجتمعية.
2-
نظرة غير المسلمين للإسلام في تلك المسألة :
يوجه اتهام
للإسلام مقولته : أن الديمقراطية تتقدم في كل مكان ولكنها
تقف عند أسوار العالم العربي والإسلامي .. لماذا؟
-
لأنه يرى أن الإسلام (كدين) هو العائق الأوحد للديمقراطية
في الدول التي تدين به ، يقول ألان مارسو أن بعض المسئولين
يرى صعوبة نقل النظام الديمقراطي إلى العالم الإسلامي لأن
السبب الأكثر أهمية يتمثل في أن الإسلام الذي يستعين به
المسلم لإدارة الكثير من أوجه حياته الخاصة والذي يحل محل
السلطة السياسية لا محالة يحول دون أي تطور كبير
للديمقراطية)(ص 156 مؤتمر الديمقراطية والتنمية – الدوحة
2004).
ويقول برنا
أونري (أن الطبيعة الذاتية للإسلام هي التي تشجع على
الإجرام ) ومعلوم أن الإجرام هو سلوك ضد أي حق من حقوق
الإنسان. ومن هنا أتهم الإسلام بأنه دين إرهاب وعنف
.وللأسف الشديد فإن هذا الفهم الخاطئ للإسلام قد عمم على
الدين بسلوك بعض أتباعه.وتلك كما قلنا نظرة غير منصفة (لأن
الشيء نفسه ينطبق على بقية الأديان) فلا نحكم على المسيحية
بما يفعله المسيحيون ، ولا نحكم على اليهودية بما تفعله
إسرائيل.
ونعود فنؤكد
أن الديمقراطية الإسلامية لو حق لنا تسميتها بذلك نجدها
تقوم على أسس أربع ولا تكاد ديمقراطية كائنة ما كانت تختلف
حولها:
1-
المسؤولية الفردية : فلا يحاسب إنسان بذنب إنسان آخر.
2-
عموم الحقوق وتساويها بين الناس في قوله تعالى :(يا أيها
الناس إنما خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
والرسول صلى
الله عليه وسلم في خطبة الوداع دعا إلى تلك المساواة بقوله
(أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم
من تراب . إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي
فضل إلا بالتقوى).
ومقولة
سيدنا عمر بن الخطاب المشهورة : (متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
3-
وجوب الشورى على الحاكمين : والقرآن صريح جداً في الدعوة
إلى الحكم الشورى ، وأمر نبيه بذلك ( وشاورهم في الأمر)
وامتدح المؤمنين وربط إيمانهم وطاعتهم الله بالشورى
(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم
ومما رزقناهم ينفقون).
4-
التضامن بين المجتمع على اختلاف طوائفه وطبقاته. وهذا أصل
اجتماعي يحرص الإسلام على تربية النشء عليه يبدأ من البيت
والمدرسة والجامعة والمجتمع ليصبح ثقافة عامة تيسر له قبول
أي نوع من أنواع الديمقراطية السياسية أو الاقتصادية.
وذلك على
خلاف المفهوم السائد في ارتباط مفهوم الديمقراطية دائماً
بالنظام السياسي وكما يقول الدكتور عبد الحميد الأنصاري :
( إن انشغالنا الطويل بالسياسي والأيديولوجي على حساب
الاجتماعي والقيمي فضلاً عن أنه أوصلنا إلى أفق مسدود،فقد
أفرز في النهاية شخصيات متلونة تنادي بالديمقراطية وتمارس
نقيضها ... واستمرار المراهنة على النظام السياسي أملاً في
الإصلاح أدى إلى تصور ضيق للديمقراطية ينحصر في السلطة
السياسية ودورانها ومراقبتها وهو المفهوم التراثي الموروث
والذي حكم مجمل ممارساتنا)(مؤتمر الديمقراطية والإصلاح في
الوطن العربي – مركز الخليج للدراسات – جامعة قطر ، 2004
بعنوان:لماذا يتعثر الإصلاح في منطقتنا).
فإذا كان
دين بهذه المبادئ فلا إشكال في تسميتها بمبادئ ديمقراطية
أو بأي اسم آخر. والمهم أنه دين يدعو للإصلاح منذ 15 قرناً
من الزمان.
وعلى ذلك
ففي المفهوم المتعقل للإسلام من ناحية وللديمقراطية من
ناحية أخرى يجد أنهما يلتقيان في الأمور الجوهرية.
ومن هنا لا
نرى بأساً في التعاون مع الآخر: أمريكا أو غيرها في مسألة
نتفق عليها دونما تحسس من صيغة ذلك التعاون.مع احتفاظنا
بخصوصيات ديننا التي ترى الخير في الحريات ولكنها ليست
الحرية المطلقة وتلك الحرية قد لا يقيدها القانون الوضعي
ولكن يقيدها الشرع ، وحينما نعترف بالحريات في منظومة
الديمقراطية أقول من الجدير بالديمقراطية أن تمنح المسلم
حرية العقيدة مع حرية تطبيق مبادئها ومثال ذلك احتكامه إلى
الشرع الذي يؤمن به ومثاله في الأسرة : الزواج والأبناء
والنسب والتوارث وهذه أمور لا يخرج المسلم فيها عن إطار
إرادة المشرع (الله تعالى).
(فإذا
اعتبرت هذه المبادئ وأمثالها قيداً لإرادة الشعب في
التشريع ، فهو قيد تقتضيه الحياة الديمقراطية )وإلا فلا
ديمقراطية.
(ربنا
أنت السلام ، ومنك السلام ، فحينا ربنا بالسلام)
وشكرا
لكم جميعاً
|